صفات الفرد المسلم .. انطلاقة إلى خيرية الأمة


ما أحوج أمتنا أن تستعيد خيريتها التي وصفها بها الله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ...} (آل عمران:110)، ولن يكون ذلك إلا بعودة أفراد الأمة إلى مواصفات الخيرية، وقد اجتهد بعض علماء الأمة في وضع صورة الفرد المسلم وفق هذه الخيرية بأن يكون "سليم العقيدة.. صحيح العبادة.. متين الخلق.. مثقف الفكر.. قوي الجسم.. قادرًا على الكسب.. منظمًا في شئونه... حريصًا على وقته.. مجاهدًا لنفسه.. نافعًا لغيره".
أولاً: سلامة العقيدة
انطلاقًا من قول الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة:285)، وإجابة الرسول- صلى الله عليه وسلم- على جبريل عليه السلام عندما سأله "ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" رواه مسلم . حتى تستحيل إلى سلوك عملي، وحركة دائمة توحد الخالق في كل موقف،"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ثانيًا: صحة العبادة
انطلاقًا من قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات:56)، وتكون العبادة شاملة في مفهومها كل بر وخير ما توافرت له النية المخلصة الصادقة المتجردة بالتعبد به ابتغاء مرضات الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162).
فتتضمن العبادة ركنين أساسيين:
الأول: مشروعية العمل المتعبد به إلى الله.
الثاني: إخلاص النية وقصد وجه الله بهذا العمل، وبهذين الركنين يتحرى المسلم في كل عمل يأتيه العبودية الخالصة لله فإذا به يحيل العادات في الحياة إلى عبادات يحتسب مثوبتها عند مولاه.
ثالثًا: متانة الخلق
انطلاقًا من قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه أحمد ؛ لأن الأخلاق هي الثمرة الطبيعية لسلامة العقيدة وصحة العبادة ودوام المجاهدة للنفس، "اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". رواه الترمذي وقال: حديث حسن .
فالمسلم يحرص على الأخلاق الفاضلة؛ فتصدر أفعاله عن هيئة راسخة بالخير والإيمان والبر تقربًا إلى الله والتماسًا لصحبة النبي المصطفي- صلى الله عليه وسلم- في الجنة: أخرج الإمام أحمد وابن حبان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة ؟ قالوا : نعم يا رسول الله. قال : أحسنكم خلقا" ... "إن المرء ليبلغ بحسن خلقه ما لا يبلغه الصائم القائم" رواه أبو داود؛ فتكون الأخلاق هي خير داع للإسلام ومبادئ الإسلام ما عمت وانتشرت وتأصلت وثبتت في مجتمع المسلمين وكذا انتشر الدين بالمعاملة الحسنة.
رابعًا: ثقافة الفكر
انطلاقًا من قول الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:من 1 إلى 5) {الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإِنْسَانَ* عَلَّمَهُ البَيَانَ} (الرحمن من 1إلى 4).
فالرسالة الإسلامية تقوم على العلم والفكر والبحث والثقافة، ويدعو الإسلام إلى تحصيل أدوات العلم واكتساب مهارات البحث وبلوغ آفاق الثقافة، "اطلبوا العلم من المهد الى اللحد"،" من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة". أخرجه مسلم.
وقد أوجب الفقهاء على مجتمع المسلمين تحصيل كافة العلوم ليصبح طلبها فرض كفاية إذا قام به بعض الأمة حتى يكفيها، وإلا أصبح فرض عين حتى يقوم من الأمة من يكفيها هذه العلوم، فمن سيقوم اليوم بتحصيل اللغات؟ وعلوم الكمبيوتر والحاسبات؟ والاتصالات والإنترنت؟ والجينات والهندسة الوراثية؟
ومَن سيدرس أحوال المسلمين تاريخهم وجغرافيتهم وواقعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ فيشخص الداء، ويصف الدواء لأمراض وعلل الأمة المختلفة، ويتخذ من ذلك سبيلاً للجهاد ومناصرة الأمة ودين الله؟
خامسًا: قوة الجسم
انطلاقًا من حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"رواه مسلم .. فالمؤمن يحتاج لقوة جسمه كي يقوم بالتكاليف الشرعية وعمارة الأرض، ولكي تحوز قوة الجسم لابد من ثلاثة أمور:
الأول: إحسان التعامل مع الجسم وتوفير الاحتياجات اللازمة لقوته دونما إفراط أو تفريط.. "... ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".صحيح مسلم..
الثاني: اكتشاف المهارات والطاقات التي أودعها الله تعالى في أجسادنا وتنميتها "ألا إن القوة الرمي"، "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل"، كل منا يملك مهارة وطاقة أودعها الله فيه وكفله الاستفادة منها "اعملوا فكل ميسر لما خلق له".رواه البخاري من حديث على بن أبي طالب.
الثالث: صيانة الجسم والإسراع بمعالجة ومداوة أي خلل يصيبه، ويحسن في هذا العصر الذي نحياه مع كثرة الملوثات التي تُحيط بالإنسان أن يُجري كشفًا دوريًا عامًا على بدنه ليكتشف أي علة أو مرض قبل أن يتمكن من الجسم والأعضاء والمسارعة بعلاجه؛ "ما خلق الله من داء إلا خلق له الدواء فتداووا"، "ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء " رواه البخاري ومسلم.


سادسًا: القدرة على الكسب
انطلاقًا من قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك:15)؛ لأن الإسلام لا يعرف البطالة والتبطل ويكره القاعدين المتبطلين الذين ينتظرون إحسان الناس، فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة وكرّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- اليد العاملة بقوله:
"هذه يد يحبها الله ورسوله"، "مَن أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفورا له".رواه الطبراني.
وكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- اليد السفلى التي تمشي تسأل الناس دون سبب معتبر أو علة مشروعة: "إن المسألة تأتي نكتة سوداء في وجه صاحبها يوم القيامة"، "إن المسألة لا تحل إلا لذي فقر مدقع أو دم موجع أو دين مفجع"، ومصيبة أمتنا اليوم أنها لا تأكل من عمل يدها، وأصبح ساستنا لا يملكون قرارهم لأنهم لا يملكون قوتهم.
سابعًا: تنظيم الشئون
انطلاقًا من حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها.. قيل ثم أي؟ قال: بر الوالدين.. قيل ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله". رواه البخاري  لقد علّم الرسول- صلى الله عليه وسلم- صحابته الكرام فقهًا يُسمى "فقه الأولويات" كي يستطيعوا أن ينظموا شئون دينهم ودنياهم فوضع ترتيبًا لمتطلبات الحياة ما بين:
- ضروريات: لا تقوم الحياة بدونها.
- وكماليات: يكمل بها صلاح الحياة.
- وتحسينات: وهي تزيد الحياة حسنًا وترفيهًا.
فلا يجوز أن ينشغل المرء بأمر كمالي قبل أن يدرك الضروري، ولا أن ينشغل بأمر تحسيني قبل أن يدرك الضروري فالكمالي.
وهكذا تصبح حياة المسلم يسودها النظام؛ يعرف ماذا يقدم وماذا يؤخر، يقدم الفروض والواجبات على السنن والنوافل.. يقدم درء المفاسد على جلب المصالح.
كما تصبح حياة المسلم يسودها الترتيب والإعداد، وأخذ كل أمر في حسبانه لأنه يريد أن يستثمر حياته في المفيد النافع في تنافس على كمال الإحسان في العبادات والعادات، في حياته الخاصة، وحياة أسرته ومجتمعه وأمته.
ثامنًا: الحرص على الوقت
انطلاقًا من قول الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف:34).
فالوقت هو الحياة، هو رأس مال الإنسان، وكل وقت يذهب لا يعود إليه مرة أخرى، "يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة"، فهو يستثمر كل لحظة في عمره ووقته لتحصيل خيري الدنيا والآخرة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا" مصداقا للآية الكريمة
 {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:77)؛ ليكون حاضرًا ومستعدًا بالإجابة عن أسئلة القيامة؛ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن عمله ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه؟". رواه الترمذيّ بإسناد صحيح.
تاسعًا: مجاهدة النفس
انطلاقًا من قول الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس: من 7 إلى 10).
إن النفس البشرية كالجواد الجامح إما أن ترودها على الطاعة حتى يسلسل قيادها وإما أن تطيش بك في العصيان والشهوات والهوى فتوردك المهالك.
ومستهدف الفرد المسلم في مجاهدته لنفسه أن ينتصر على:
1- وساوس الشيطان.
2- غرور الدنيا.
3- طغيان الشهوات.
4- اتباع الأهواء.
ليتدرج مع نفسه التي بين جنبيه إلى معالي النفوس: فمن نفس قد تكون أمارة بالسوء لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا إلى نفس لوامة تخلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا، ولكنها تعرف المراجعة والندم على ارتكاب الإثم والعصيان إلى نفس مطمئنة، اطمأنت بذكر الله وطاعة الرحمن فأصبحت تجد لذتها ومتعتها في مرضاة الله ورضوانه.
عاشرًا: النفع للغير
انطلاقًا من حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهرًا، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام" رواه الطبراني وحسنه الألباني.. فطُوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر. عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لمن جعله الله عز وجل مفتاحا للخير، مغلاقا للشر، وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير" رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني.
فالمؤمن كل حركاته وسكناته نفع لمن حوله.. "المؤمن كالغيث أنى نزل نفع"، "المؤمن كالنخلة كل ما فيها نافع"، "المؤمن إلف ألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" رواه أحمد، كيف لا يكون نافعًا وعطاء الله عظيم على النفع للناس، "من مشى في حاجة أخيه مشى الله في حاجته، ومن يسر على معسر يسر الله عليه، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة"، "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا فرج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة" أخرجه البخاري ومسلم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التشبيك والشبكات انطلاقة جديدة للمجتمع المدني

التجربة السنغافورية.. نظام مدرسي بلا امتحانات أو درجات!

رحلة البحث عن الحقيقة.. من جاري ميلر إلى عبدالأحد عمر